الحلبي

59

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الحرب إذا كان الجهاد بدار الحرب إلى أن يصلوا إلى غير دار الحرب مما يباع ذلك فيه ، وليس لهم أخذ ما تندر الحاجة إليه كالفانيد والسكر ، ولا ينافي ذلك ما ذكر هنا ، لأنه يجوز أن يكون الاذن في أكل مجموع ما ذكر . وفي السيرة الهشامية عن عبد اللّه بن مغفل رضي اللّه تعالى عنه ، قال : أصبت من فيء خيبر ، أي من غنيمتها جراب شحم فاحتملته على عنقي أريد رحلي فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها ، أي وهو أبو اليسر كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه فأخذ بناصيته ، وقال : هلمّ بهذا حتى نقسمه بين المسلمين ، فقلت : واللّه لا أعطيكه ، فجعل يجاذبني الجراب فرآنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن نصنع ذلك ، فتبسم ضاحكا ، ثم قال لصاحب المغانم : لا أبا لك خلّ بينه وبينه ، فأرسله ، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه . وفي الإمتاع أنهم وجدوا في هذا الحصن الذي هو حصن الصعب آلة حرب : دبابات ومنجنيقا ، أي وذلك موافق لما تقدم عن ذلك المخبر له صلى اللّه عليه وسلم بأن في حصن في بيت منه تحت الأرض منجنيق ودبابات ودروع وسيوف ، ولعلّ وجود ذلك كان بدلالة ذلك الرجل عليه . ولما فتح ذلك الحصن تحوّل من سلم من أهله إلى حصن قلة وهو حصن بقلة جبل ، أي ويعبر عن هذا بقلة الزبير رضي اللّه تعالى عنه ، أي الذي صار في سهم الزبير بعد ذلك وهو آخر حصون النطاة ، أي فحصون النطاة ثلاثة : حصن ناعم ، وحصن الصعب ، وحصن قلة . فأقام المسلمون على حصار هذا الحصن الذي هو حصن قلة ثلاثة أيام ، فجاء رجل من اليهود وقال له صلى اللّه عليه وسلم : يا أبا القاسم تؤمني على أن أدلك على ما تستريح به ، فإنك لو مكثت شهرا لا تقدر على فتح هذا الحصن ، فإن به دبولا وهي الأنهار الصغيرة تحت الأرض يخرجون ليلا فيشربون منها ، فإن قطعت عنهم شربهم أهلكتهم ، فأمنه صلى اللّه عليه وسلم وسار إلى دبولهم فقطعها ، فعند ذلك خرجوا وقاتلوا أشدّ القتال وفتح ذلك الحصن ، ثم سار المسلمون إلى حصار حصون الشق بفتح الشين المعجمة وكسرها ، والفتح أعرف عند أهل اللغة ، فكان أوّل حصن بدأ به من حصني الشق حصن أبي فقاتل أهله قتالا شديدا ، خرج رجل منهم يقال له غزوال يدعو إلى البراز ، فبرز له الحباب رضي اللّه تعالى عنه ، وحمل عليه فقطع يده اليمنى ونصف الذراع ، فبادر راجعا منهزما إلى الحصن فتبعه الحباب فقطع عرقوبه فوقع فذفف عليه ، فخرج آخر مبارزا فخرج له رجل من المسلمين فقتل ذلك الرجل وقام مكانه يدعو للبراز ، فخرج له أبو دجانة رضي اللّه تعالى عنه ، فضربه أبو دجانة رضي اللّه تعالى عنه فقطع رجله ، ثم ذفف عليه .